محمد بن جرير الطبري
122
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
يا إسحاق ، جئني بمصلى ومخدتين ، فجئته بذلك ، فوضع المخدتين ، ونام على وجهه ، ثم قال : هات مصلى ومخدتين ، فجئت بهما ، فقال : القه ونم عليه بحذائى ، فحلفت الا افعل ، فجلست عليه ، ثم حضر ايتاخ التركي واشناس ، فقال لهما : امضيا إلى حيث إذا صحت سمعتما ، ثم قال : يا إسحاق ، في قلبي امر انا مفكر فيه منذ مده طويله ، وانما بسطتك في هذا الوقت لافشيه إليك ، فقلت : قل يا سيدي يا أمير المؤمنين ، فإنما انا عبدك وابن عبدك ، قال : نظرت إلى أخي المأمون وقد اصطنع أربعة انجبوا ، واصطنعت انا أربعة لم يفلح أحد منهم ، قلت : ومن الذين اصطنعهم أخوك ؟ قال : طاهر بن الحسين ، فقد رايت وسمعت ، وعبد الله بن طاهر ، فهو الرجل الذي لم ير مثله ، وأنت ، فأنت والله لا يعتاض السلطان منك ابدا ، وأخوك محمد بن إبراهيم ، واين مثل محمد ! وانا فاصطنعت الافشين فقد رايت إلى ما صار امره ، واشناس ففشل آية وايتاخ فلا شيء ، ووصيف فلا مغنى فيه ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، جعلني الله فداك ! أجيب على أمان من غضبك ، قال : قل ، قلت : يا أمير المؤمنين اعزك الله نظر أخوك إلى الأصول ، فاستعملها ، فانجبت فروعها ، واستعمل أمير المؤمنين فروعا لم تنجب إذ لا أصول لها ، قال : يا إسحاق لمقاساه ما مر بي في طول هذه المدة أسهل على من هذا الجواب . وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، أنه قال : اتيت أمير المؤمنين المعتصم بالله يوما وعنده قينة كان معجبا بها ، وهي تغنيه ، فلما سلمت وأخذت مجلسي ، قال لها : خذي فيما كنت فيه ، فغنت فقال لي : كيف تراها يا إسحاق ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أراها تقهره بحذق وتختله برفق ، ولا تخرج من شيء الا إلى أحسن منه ، وفي صوتها قطع شذور أحسن من نظم الدر على النحور ، فقال : يا إسحاق ، لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها ، وقال لابنه هارون : اسمع هذا الكلام . وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنه قال : قلت للمعتصم في شيء ، فقال لي : يا إسحاق ، إذا نصر الهوى بطل الرأي ، فقلت له : كنت أحب